صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
289
تفسير القرآن الكريم
إلى وجود صورة الإنسان بحسب القسط والعدل في كيفيات عناصره وكمياتها وهو المزاج المعتدل الإنساني الذي هو أشرف الأمزجة المعبّر عنه بالتسوية في قوله : فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [ 15 / 29 ] . وكون الميزان إشارة إلى الاعتدال في الكيفيات والصفات الجسمانية لأجزاء البدن لا ينافي كونه إشارة إلى العدالة في الأخلاق النفسانية ، أما علمت أن وجوه فهم القرآن لا ينحصر في واحد ، فإن للقرآن ظهرا وبطنا وحدّا ومطلعا - كما ورد في الحديث « 1 » عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم - بل ذلك الوجه يلائم هذا الوجه ويطابقه تطابق الظاهر للباطن ، إذ العوالم متطابقة ، والنشآت متحاذية ، فالاعتدال في المزاج يستدعي أن تكون الصورة الإنسانية الفائضة عليه عدلا في الصفات المعنوية وأصول الأخلاق النفسانية ، التي هي بمنزلة صور الكيفيات الجسمانية . وقوله : وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ - إشارة إلى درجة المعادن ، وهي الدرجة النازلة من المواليد ، كما إن الدرجة الإنسانية من الحيوان - المشار إليها بقوله : ليقوم الناس بالقسط - هي الدرجة العالية منها . وقوله : وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ - يومي إلى درجة النباتات لأن الحديد آلة الحرث والغرس . على أن من الإشارة إلى الجماد وإلى نوع من الحيوان وهما الطرفان النازل والعالي من المركبات - لزمت الإشارة إلى النبات بالالتزام على ما مر من توقف النوع الأشرف على النوع الأخسّ في سلوك الطبيعة درجات الصعود إلى الحق ، كما يتوقف الأخسّ على الأشرف في النزول عنه ، وإلى الحيوان بالتضمن ، لأن الحيوان بما هو حيوان جزء من الإنسان ، ودلالة الشيء على جزئه بالتضمن . وأما قوله : وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ - إشارة إلى درجة أهل الايمان والمعرفة ، لأنهم ينصرون دين اللّه بالمجاهدة مع الكفار ، وهم متفاوتون في الفضيلة ، وأفضلهم
--> ( 1 ) قال العراقي ( ذيل احياء العلوم : 1 / 99 ) : أخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث ابن مسعود ، ورواه العياشي ( 1 / 11 ) بلفظ آخر .